• موجز

    فيما يلي مقتطفات من كتابنا القادم، والذي يلقي نظرة استعادية على تأسيس الرواق والسنوات الست الأولى من برنامج رواق الفن، «رواق الفن في جامعة نيويورك أبوظبي: ٢٠١٤-٢٠٢٠». المقتطف أدناه بقلم مايا أليسون، مؤسِّسة الرواق والقيّمة الفنية لهذا المعرض الافتتاحي:

    أسترجع مع كتابتي هذه السطور لست سنوات من المعارض منذ افتتاحنا رواق الفن بجامعة نيويورك أبوظبي في خريف عام ٢٠١٤. حيث قد أنتج فريق عمل الرواق ما يقرب من ١٠٠ معرضاً (كان ١١ منها قد أقيم في معرضنا الرئيسي، في حين استضافت مساحة المشروع أكثر من ٨٠ معرضاً، إضافة إلى سبع دورات من جائزة كريستو وجان-كلود وعدد من المشاريع الإضافية). وبذلك، ساهم عملنا بدوره في دراسة مجموعة من الإجابات المحتملة على أسئلتنا التأسيسية: فأسفر كل معرضٍ عن اكتساب معارف وخبرات جديدة، ودراية أكبر بما هو مطلوب، وما هو ممكن، وما هو ذو مغزى، وذلك بالتزامن مع مدّنا لجذورنا كمصدر حيوي لجامعة نيويورك أبوظبي وللمجتمع بشكل أوسع.

    افتتحنا أبوابنا أمام الجمهور في ١ نوفمبر ٢٠١٤ عبر إقامة معرض «في الموقع: المعرض الافتتاحي». وعملنا من خلال هذا المعرض على تحديد معايير وأسلوب برنامج عرضنا، والذي عدّ التجانس خاصيةً نسعى للنأي عنها، إضافة إلى تركيزه بشكل خاص على موقعنا الجغرافي، متناولاً موضوع «المشهد العام المبني والطبيعي» كثيمة له من خلال طرح أعمال ستة فنانين من خمس دول (هي الإمارات العربية المتحدة، مصر، باكستان، الكويت، والولايات المتحدة) جاءت بمختلف الوسائط والمواد.

    عملت ثيمة المعرض التقييمية على توضيح مفهوم «الموقع» بشكل مرح. فقد كان حرمنا الجامعي الجديد حديث العهد بفتح أبوابه، وكان جزء منه لا يزال يعد موقعاً للبناء. وباستثناء موقع العرض البارز في منارة السعديات (الجهة المستضيفة الرئيسة لـ «فن أبوظبي») وفندقين على شاطئ البحر، كنا وحدنا على الجزيرة باستثناء مواقع البناء تلك، والتي كان منها موقع بناء متحف اللوفر أبوظبي .

    وعلى وجه أكثر تحديداً، كان من شأن قائمة التدقيق النهائية للأعمال الفنية أن تعمل على إلقائنا الضوء وعلى توسّعنا في التقاطع ما بين «الطبيعي» و«المبني» على الجزيرة. وهنا يتساءل الفرد: متى تصبح الطبيعة ثقافة بدورها؟ ويجيب عن ذلك السؤال سلسلة من الأعمال الفوتوغرافية بعدسة طارق الغصين تحمل عنوان «(في) التجميل». حيث تبدو في تلك الصور تضاريس جزيرة السعديات الأصلية إلى جانب غيرها من التضاريس الحديثة على الجزيرة، مثل المراحل الأولى من تنسيق الحدائق التي نراها مزدهرة هنا الآن. وكمثال آخر على ثقافة المشهد العام، يحدثنا يعمل «غرفة من متحف «تايت» للفن الحديث» للفنان رشيد رنا عن تجسيد متاحف المستقبل. وقد صادف أن اطّلعت على هذا العمل للمرة الأولى في قمة دكا للفنون في بنغلاديش: حيث عملت السقالات المصممة للإشارة إلى عمل «سول ليويت» التاريخي عند تغليفه للسطح الخارجي لتركيبه الفني بالكامل. في حين أعاد التصميم الداخلي تشكيل غرفة من متحف «تايت» البريطاني بحجمها الأصلي، وكان ذلك باستخدام ورق الجدران منخفض الدقة والوضوح. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه وفي سياق المشهد الفني النابض بالحياة في مدينة دكا، بدت هذه القطعة الفنية وكأنها تعكس التوق إلى مساحات متحف «تايت» واستحالة الوصول إليها. وفي تلك اللحظة، تَبَلوَر تأثير السياق على قراءة العمل: فعند مشاهدة تركيب رنا في جزيرة السعديات بدلاً من مدينة دكا، فإن معنى العمل سيتغير ليعكس «بينيّة» موقع متحف اللوفر أبوظبي، وهو أحد أبرز المتاحف الأوروبية على الإطلاق، والذي كان هنا، لكنه لم يكن قد وصل بعد في الوقت ذاته.

    وعلاوة على ذلك، سعدنا بمشاركة اثنين من أبرز الفنانَين الإماراتيين المخضرمين في هذا المعرض الافتتاحي هما ابتسام عبدالعزيز ومحمد أحمد إبراهيم (واللذان أتيحت لي فرصة العمل معها عدة مرات أخرى خلال السنوات القادمة). فالتقطت لوحات عبدالعزيز الارتباك الذي شكّله تغيير اسم حي الفهيدي التاريخي في مدينة دبي، في حين امتدّ تركيب إبراهيم الفني من الصخور المغلفة بالنحاس على الأرضية خارج موقع عرض عمل «غرفة في متحف «تايت» للفن الحديث». وتجدر الإشارة هنا إلى أن عمل إبراهيم قد التقط تلك اللحظة التي تتحوّل فيها الطبيعة إلى ثقافة بكل معنى الكلمة وبشكل مؤثر عن باقي الأعمال الأخرى. وكان ذلك عبر قصيدة في وصف صخور جبال خورفكان – مسقط رأسه – والنحاس الذي تحمله في عروقها، والذي يتجسّد الآن فنّاً في صالة عرض رئيسية.

    والتفّت في معرضنا الأول جداريةٌ بيضاء على خلفية بيضاء كذلك، أبدعتها الفنانة الأمريكية «ماري تمبل» حول جدران المعرض، ما كوّن تأثيراً وهمياً وكأنه ضوء الشمس المتلألئ عبر أوراق أشجارٍ غير موجودة في مساحة العرض في المقام الأول. وفي زاوية أخرى، دارت شرائح فيلم الفنان المصري باسم مجدي لتعرض صوراً متغيرة لمنظر طبيعي بركاني قديم لم يقطنه البشر يوماً. ليدعونا الفنان لاستجواب ما هو حقيقي، وما هو طبيعي وما لم يمس، وما هو ضربٌ من الخيال العلمي في مناظرنا الطبيعية هنا.

    ولمشاهدة المعرض، كان على الزائر مواجهة الموقع الملموس لجزيرة السعديات عند السير عبر أبواب معرضنا للاطلاع على أعماله من المشاهد العامة. وكنت آمل – وكما أعلن الموقع الإلكتروني للمعرض – أن يستحضر الاطلاع على تلك الأعمال الفنية الفذة «تجربة السير في حرم السعديات الجديد التابع لجامعة نيويورك أبوظبي، وهو موقعٌ متعدد الأوجه يمثّل بحد ذاته حديقة في الصحراء، ومركزًا ثقافياً وسط مشاريع التطوير الجديدة، على جزيرة تعمل كمستودع لأبرز الذكريات المحلية، وتعمل كلاعبٍ رئيسي في رؤية المدينة المستقبلية على حد سواء».

  • اقرأ المقال

    مقتطف من مقال القيم الفني:

    يتّخذ هذا المعرض من جزيرة السعديات نقطة انطلاقٍ له لدراسة الأساليب المعرفية والتفسيرية التي نمارسها لتحديد موقعنا المادي والثقافي، طارحاً تساؤلاتٍ من خلال هذا السياق منها: ما هي دلالات «الجزيرة الصحراوية» أو «الحديقة الغنّاء»؟ وكيف لنا استيعاب المكان باعتباره جزءاً من الماضي أو المستقبل الثقافي؟ وحيث يدعونا العمل المعروض إلى التأمل في جوهر موقعٍ ما أو مظهره، سواء كان ذلك الموقع طبيعياً أو اصطناعياً، حقيقياً أو مُتَخَيّلاً، فكيف تروي الإشارات التي تُكوّن الموقع قصّته ذاتها؟

    تستحضر مشاهدة العمل تجربة المشي في حرم جامعة نيويورك أبوظبي الجديد في جزيرة السعديات، وهو موقع متعدد الجوانب يُمَثّل في حد ذاته واحة في قلب الصحراء، ومركزاً ثقافياً في خضمّ مشاريع التطوير الجديدة على جزيرةٍ هي مستودعٌ للذكريات المحلية الهامة، ولاعبٌ رئيسي في الرؤية المستقبلية للمدينة في الوقت ذاته.

    مايا أليسون، رئيس وقيم فنّي أول

    ***

    يبدأ المعرض بتناول جزيرة السعديات ذاتها من خلال سلسلة أعمال طارق الغصين «(في) التجميل» (٢٠١٢)، حيث أنتج الفنان مجموعة من الصور الفوتوغرافية باستخدام المواد المتاحة لتنسيق مواقع البناء وما حولها في جزيرة السعديات. ويتزامن ذلك مع كون هذه الصور جزءاً من مشروع الفنان الفوتوغرافي المستمر لالتقاط مشاهد ملحمية يبدو فيها شخصه الوحيد متحركاً أو متأملاً أو مختفياً تدريجياً عن الوجود.

    في هذه السلسلة الفنية، تروي مشاهد تنسيق المواقع في الجزيرة الصحراوية قصة عن الطبيعة (نباتات) وترويضها (صحراء)، كما يلقي تكوينٍ كلٍّ من الصور الضوء على الجودة التجريدية الهندسية للتنسيق قيد التنفيذ؛ فتفيض النباتات اليانعة على الأطراف الحادة لتغمر هيئة طارق، وليمتَدّ بحرٌ من عرائش النباتات بأوراقها الوافرة نحو المباني البعيدة. وفي حين تصوّر أعمال الغصين الأخرى لشخصه باعتباره شخصيةً تهديدية أو وحيدة أو سياسية، إلا أن سلسلة «(في) التجميل» تصوّر هيئته بأسلوب أكثر تواؤماً مع ممارسات تنسيق المواقع، وربما تتواءم أيضاً مع هيئة النباتات ذاتها في بعض الأحيان.

    يبدو للوهلة الأولى وجود موقع بناءٍ نظيف بشكل يفوق العادة داخل مساحة العرض، إلا أن نظرة أقرب تبيّن أن هذا الموقع هو في الواقع تركيب رشيد رنا الفني الضخم. وتعمل الشبكة المتقاطعة من الخشب الخام في هذا العمل كإشارة بصرية مزدوجة المعنى؛ إذ هي مستوحاة من السقالات غير المُكلِفَة السائد استخدامها في مواقع البناء في منطقة جنوب آسيا، إضافة إلى إشارتها إلى شبكات مكعبات «سول ليويت» النموذجية الشهيرة. كما يمكن الولوج إلى داخل الهيكل من خلال باب ٍ في جانبه الأبعد، والذي يعكس اختيار عنوان العمل وهو «غرفة من متحف “تايت” للفن الحديث»، حيث يتواجد مكعبٌ آخر ضمن هذه الشبكة، وهو مكعبٌ يمثّل مساحة العرض النمطية في الصالات الفنية والمطابق هنا لأبعاد مساحة العرض في متحف «تايت» للفن الحديث.

    أٌلصِقَ على جدران وسقف المُكعّب الداخلية صورة بالمقياس الطبيعي لصالة متحف «تايت» الحقيقية. كما تبدو ذات الصورة وقد طُبِعَت بجودة تنقيطية ضعيفة في طبقةٍ أخرى من الطبقات المكونة للشبكة. وبهذا، تبدو الغرفة مشوّشة بشكل مثالي عند رؤيتها عن بُعد أو من خلال كاميرا الهاتف. ولكن ومع اقتراب المشاهد من أي من التفاصيل، تختفي الصورة الكليّة وتتحوّل إلى كُتَلٍ تجريدية باهتة اللون، وذلك نتيجة لطباعة الفنان لوحدات الصورة الأصلية بحجم كبير جداً تمثّل كل وحدة منها مربعاً أحادي اللون، ليتلاشى بذلك هذا الاستنساخ للغرفة الداخلية للمتحف اللندني عند تفحّصه بشكل أقرب. وبهذا الأسلوب، يستحضر عمل «رنا» جزيرة السعديات ذاتها، حيث يتم بناء المتاحف دون اكتمالها بعد، ووجودها على أرض الواقع عن بعد وحسب. وتجدر الإشارة هنا إلى استمرار رؤية وتفسير هذا العمل بشكل مختلف من خلال تأثره الشديد بالسياق الثقافي المحيط به، كما كان عليه الأمر عندما عُرِض العمل في بنغلاديش في فبراير الماضي ضمن فعاليات قمة داكا للفنون، وكما سيكون الأمر عليه بدوره إذا تم عرض العمل في مدينة لندن، مقر متحف «تايت» الحديث.

    يلوح في قلب مساحة العرض جبلٌ من الصخور، حيث قام الفنان محمد أحمد إبراهيم بلف أكثر من ألف صخرة بشكل منفرد بأسلاك نحاسية سميكة. وتجدر الإشارة إلى تواجد مادة النحاس بشكل طبيعي في تلك الصخور التي جاء بها الفنان من مسقط رأسه خورفكان، الواقعة في أقصى شرق دولة الإمارات. وفي حين يحفل الفن المعاصر بالفنانين العاملين مباشرة مع عناصر الأرض، تتخذ الأرض لإبراهيم تعريفاً محدداً للغاية يتمثل في أرضه هو، وفي دولة تلعب الأرض ذاتها فيها دوراً حاسماً في تاريخ الأمة.

    ويدعو العمل الفني إلى تفسيرات مختلفة: فهل يشير تغليف آلاف الصخور الفردية بالنحاس (الذي هو أصلاً جزءٌ من مكونات تلك الصخور) إلى التنمية الصناعية، والأخذ من الأرض لتكوين ما هو من صنع الإنسان؟ هل هو فعل دافعه الحب لإنقاذ وحماية كل صخرة على حدة؟ هل هو شكلٌ من أشكال التجميل من خلال تزيين الصخور بالمعدن شبه الثمين الذي تحتويه؟ يقوم هذا العمل قبل كل شيء بإبراز علاقة الفنان الوطيدة والمباشرة بمسقط رأسه، كما تُبرز خشونة الصخور مقابل أرض المعرض قَلْع الأولى من موطنها خورفكان. وتقوم هذه المقارنة بوضع مساحة المعرض ذاتها في حوار مباشر مع المشهد المادي المحيط في دولة الإمارات العربية المتحدة.

    يبدو الركن المخصص لعمل «ماري تمبل» في مساحة العرض خالياً إلا من بعض الضوء الخافت الشبيه بما تلقيه شمس ما بعد الظهيرة من ظلال للأشجار. لكن ما يخالف هذا التشبيه هنا هو عدم وجود مصدر داخلي للضوء ليلقي بتلك الظلال. إذ يمثّل عمل «الضوء القُطري» لوحةً جدارية دقيقة للغاية تطلّبت عدداً كبيراً من ساعات العمل، رسمت فيها الفنانة باللون الأبيض الساطع على خلفية من الأبيض الفاتح، مقتفية ظلالاً لأوراق الأشجار على الأسطح المختلفة من جدران وأعمدة في المعرض، وفي ممارسة لتقليد عريق للرسم معروف باسم trompe-l’oeil (وهو ما يعني حرفياً «خداع العين»).

    تم نشر الكتيب الأصلي باللغة الإنجليزية فقط. اضغط هنا لقراءة بقية المقال باللغة العربية.