• موجز

    عند افتتاحه في عام ٢٠١٦، كان “وهم الأطراف” أول معرض فردي للفنانة ديانا الحديد في العالم العربي، ومن أكبر معارضها حتى ذلك الوقت. حيث شغلت أعمالها من المنحوتات الضخمة واللوحات الجدارية ذات الألوان الطيفية والتماثيل البرونزية السريالية مساحةً تبلغ ٧٠٠٠ قدم مربع من الرواق. كما أتيحت فرصة الاستماع للفنانة وهي تناقش أعمالها بشكل مفصل من خلال الدليل الصوتي (الرابط في أدنى الصفحة). ومثّل هذا المعرض التكليف الأول لفنان محلي لتطوير ورسم أول دليل للجماهير اليافعة، والذي أصبح جزءاً أساسياً من ما تقدمه معارضنا للزوار.

    وبمناسبة المعرض، قام رواق الفن في جامعة نيويورك أبوظبي بالتعاون مع دار سكيرا-ريزولي للنشر لإصدار أول كتاب مونوغرافي بحثي حول الفنانة، والذي تضمّن مقالات بأقلام القيمة الفنية سارة رضا ومؤرخي الفن أليستير رايدر (جامعة سانت أندروز)، ورايندرت فالكنبيرغ (جامعة نيويورك أبوظبي). تتوفر نسخة رقمية من الكتاب ثنائي اللغة (العربية والإنجليزية) للتحميل مجاناً ولأول مرة عبر هذه الصفحة.

    وجاءت تسمية المعرض تيمناً بأحد الأعمال الرئيسية المعروضة، “وهم الأطراف” (في الصورة أعلاه)؛ وهو مصطلح يُشير إلى الشعور الذي يمر به صاحب أحد الأطراف المفقودة، كالذراع أو الساق، وكأن هذا الطرف موجودٌ وقادرٌ على الحركة. جاء معرض “وهم الأطراف” إلى أبوظبي من محطة عرضه الأولى في “The Secession” في فيينا، النمسا. صاحب مطبوعة جامعة نيويورك أبوظبي كتالوج كراسة رسم للفنانة، نشر في “The Secession“، وبالتعاون مع متحف ديفيد وينتون بيل في جامعة براون، حيث تم افتتاح نسخة مختلفة من هذا المعرض في وقت لاحق من ذلك العام.

  • اقرأ المقال

    مقتطف من مقال القيم الفني:

    تَبرُز أعمال الفنانة ديانا الحديد في إشارتها المباشرة إلى عصر النهضة وتاريخ الفن الكلاسيكي والهندسة المعمارية. تدور فلسفة منحوتاتها وأعمالها الفنية حول الآثار وتاريخية الثقافة – وترتبط مع “المكعب الأبيض” الخاص بالفن المُعاصِر.

    كثيراً ما يُستخدّم مُصطّلح “المكعب الأبيض” للإشارة إلى الأروقة التي تعرِض فنًّا مُعاصِرًا. وعادةً ما يكون رواقًا ناصع البياض، ذا قواعدَ أو ركائزَ حجريةٍ ملساء. إنه تجسيد للحداثةِ التي تقف على النقيض من علم الآثار وتاريخ الفن والاضمحلال. وتتجسد خصائص القالب الأبيض بشدةٍ في أعمال ديانا الحديد. فبمنحوتاتها المُزخرّفة بطيفٍ من تاريخ الفن المُتقاطِع مع نضَارة المكعب الأبيض الثقافية، تبعث الفنانة بما يُشبه وهَجاً كهربائياً بين الماضي والحاضر يجذب معارض الفن الحديث للسعيْ إلى نشر أعمالها.

    هذا التلاحم بين تاريخ الفن والمكعب الأبيض يظهر جليًّا في منحوتاتها ولوحاتها. عادةً ما تبدأ ديانا عملها من القاعدة أو الجدار المستطيلي المُواجِه، ثم تتوسع في عملها نحو الخارج، مُجوِّفةً أو واضعةً طبقاتٍ في آنٍ واحد، مُستغِلةً الجاذبية أو مُعاكِسةً لها، ومع التاريخ وضِدِّه. غالباً ما يتوارى الجسد البشري في نحتها، أو يُخلّط مع القماش الذي يكون بديلاً للجلد. تُخفي المنحوتاتُ قاعدتها المُكعبة، التي تنجرف بدورها وتنزوي بعيداً عن الموضع الذي كانت فيه.

    يقبع في وسط المعرض العمل النحتي “وهم الأطراف“، وهو العمل النحتي الذي سُمّي المعرض على اسمه. يُشير إلى الشعور الذي يمر به صاحب أحد الأطراف المفقودة، كالذراع أو الساق، وكأن هذا الطرف موجودٌ وقادرٌ على الحركة. يظهر في هذا العمل الفني عملٌ نحتي مكسورٌ جزئياً لجسد أنثى يطفو على قّمة جبلٍ يُشابِه الغيوم، وخلفها مكعبٌ أبيض صغير يمسك قدماً وساقًا، مُجسِّداً الشك في وهم الأطراف. تبدو القاعدة مُلفتةً للانتباه بصلابتها، بالمقارنة بباقي الأشكال الشبيهة بالقاعدة في ذلك العمل النحتي.

    توجد على أحد أطراف العمل النحتي هذا سلسلةٌ مُكدّسةٌ من القوالب. وفي حين أن القاعدة عادةً ما تدعم العمل النحتي، غير أن القوالب تظهر هنا ذائبةً ومُنجرِفةً بعيداً من تحت الجسم، ثم ذائبةً في الهواء. وقد يسأل أحدهم: أيمثل ذلك العمل النحتي مرحلة البعث أم الاضمحلال؟ إن مفهوم “مرحلة” هنا مهم، سواءٌ بمعنى ظهور العمل النحتي وكأنه يمر بمرحلة النشوء أو الاضمحلال، أو بمعنى المرحلة التي تمر بها الفنانة في صُنعِها عملها. العلامات نفسها، من تقطُّرات وشقوقٍ وقوالب عضوية، تصبح ذات أهميةٍ رئيسةٍ في فهمنا لما نراه. فكل علامة لها دلالتها من ناحية، وتجسد نزعةً من ناحيةٍ أخرى.

    وعلى يمين العمل النحتي ويساره يوجد اثنان من جدران المعرض البيضاء التي ترمز أيضاً للاضمحلال، وعلى سطحهما تظهر رسومات للوحةٍ مُركّبة. وفي تلك اللوحات رسمت الفنانة أعمالاً فنيةً تاريخية مُحدّدة: لوحة “المسرنم” المستوحاة من لوحة “غراديڤا” ذات النحت النافر من اليونان القديمة، و“طبيعة صامتة مع الذهب” المستوحاة من لوحة “رمز العفة” لفنان عصر النهضة هانز ميملنغ.

    تظهر تلك الأعمال الثلاثة – وهم الأطراف، والمسرنم، وطبيعة صامتة مع الذهب ­– ضمن مجموعة أطلقت عليها الفنانة اسم “الأقدار“، حيث تمثل جميعها نساءً في ثلاثة مراحلٍ مُختلفةٍ من مَشيٍ ووقوفٍ وجلوس. ويحيط بتلك الأعمال الثلاثة في رواق الفن في جامعة نيويورك أبوظبي مجموعة من اللوحات والمنحوتات التي تتعلق بمضمون أعمال “الأقدار” بطريقةٍ أو بأخرى.

    صورة “المسرنم” المُركّبة تُظهر سلسلة من الأشكال المُتكتّلة التي تُشبِه الدرج. في كل واحدة من هذه القطع سترى شكل، وهي مستوحاة من نحت يوناني نافر من القرن الرابع قبل الميلادي، لامرأةٍ ذات رداء تمشي وتجوبُ شوارعَ بومبي. ظهر هذا الاسم “غراديڤا” – الماشية – في رواية فلهلم ينسن التي كتبها في عام 1906، وهي رواية خيالية إيطالية، وتحكي قصّة عالِم الآثار الذي يطارد هذا النوع من النساء ويتمنى مقابلتها وكأنها صديقة طفولة ضائعة تظهر من بين أطلال مدينة بومبي. هذه المرأة هي من نسج خياله ، والتي أصبحت أيضاً شخصية حقيقية تأسره وتجذبه بطريقة مشيها إلى حد الهوس. لقد قدّم سيجموند فرويد لاحقاً تحليلًا لبطل الرواية، تظهر فيه مدينة بومبي وكأنها لاوعي البطل، وغراديڤا تسبر أغواره. كان إبداع ينسن الأدبي وثيق الارتباط بفرويد، حتى أنه علّق نسخةً منه في مكتبه ليميز التفاعل بين الذاكرة والقطع الأثرية. [1] ومن الجدير بالذكر أن الإشارة لغراديڤا ظهرت أكثر من مرةٍ في أعمال ديانا الحديد، وخاصةً عندما ينظر المرء للتفاعل بين الذاكرة والقطع الأثرية في عملها.

    قسّمت الفنانة جسد الشخصية إلى أربعة أجزاءٍ مُتعرّجة، تبدو “وكأنها تترك جزءاً من جسدها وراءها وهي تمشي” كما وصفتها الفنانة. وأضافت: “إن هذا التقسيم يمثل الأجزاء الرئيسة للركائز والمربعات والمستطيلات الأخرى والحواف الحادة التي استعملتها في وهم الأطراف”.

    وفي لوحة “طبيعة صامتة مع الذهب“، يتلمس المرء أثراً من لوحة “رمز العفة” لفنان عصر النهضة هانز ميملنغ. أشارت الفنانة إلى أنها كانت مُهتمةً بتلك اللوحة لسنوات، وخصوصاً ثبات شخصية المرأة في الجبل. وفي اللوحة المُركّبة، دمجت ديانا بين شخصية المرأة والجبل، بحيث تبدو طيّات ملابسها وشقوق الجبل قطعةً واحدةً.

    وأشارت الفنانة إلى التناقض بين تلك اللوحات، بين لوحة تصور امرأة راسخة كالجبل، وأخرى – غراديڤا – تصورها متحركةً باستمرار. وتقول: “إنها تبدو كرموزٍ ليست بمتناول أيدينا نوعاً ما، وتتلاعب مع إحساسك بالمقاييس“، فواحدة ساكنة، وأخرى متحركة، أما الثالثة – وهم الأطراف – فيمكن رؤيتها وكأنها مُنبثِقة من جبل صخري ذائب، أو لعلها مغمورة فيه.

    اضغط هنا لقراءة بقية المقال.

اسمع

فيما يلي الدليل الصوتي للأعمال الفنية.